الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
11
نفحات القرآن
آية واحدة ، يرد هذا السؤال وهو : أي منهما يكون الأصل حقيقة والآخر فرع ؟ الجواب عن هذا السؤال ليس بتلك الصعوبة كما تقدّمت الإشارة إلى ذلك لأنّ « العلم » له حيثية الطريقية المقدّمية ، والهدف الرئيسي هو تربية الإنسان وتزكية النفس وتكامل الروح ، وبعبارة أخرى : إنّ تلاوة آيات القرآن الكريم وتعليم العلم والحكمة كلّها تهدف إلى هذا الهدف الأسمى ، وبناءً على ذلك تعدّ كلّ هذه مقدّمة بالنسبة للتزكية التي تعتبر ذي المقدّمة ، وما السبب وراء ذكر « التزكية » قبل « تعليم الكتاب والحكمة » في آيتين أخريين إلّالبيان دورها الخطير هذا . فضلًا عن ذلك ، فإنّ كلّ واحد من هذين الأمرين يترك أثره على صاحبه ، أي إنّ الإنسان لا يسعى وراء العلم ما لم تتحقّق مرحلة تزكية النفس ، وما لم يتحقّق العلم فسوف لن تحصل المراحل العالية من التزكية ، وبناءً على هذا ف « التعليم » و « التزكية » لهما أثران متقابلان ، كما يحتمل أن يكون الغرض من تنوّع الآيات حول هذا الموضوع هو إلفات النظر إلى هذا الأمر . وينبغي ألّا يخفى أنّ البعض من العلوم كالعلوم المرتبطة بالمعرفة بصورة عامّة ومعرفة اللَّه تعالى ونظائرها لها حيثية ذاتية وعينية ، أو بعبارة أخرى فهي مطلوبة بالذات ، في حين أنّ العلوم الأخرى ليس لها حيثية مقدمية ، ولهذا يمكن أن يكون تنوّع الآيات الآنفة الذكر إشارة إلى هذه الملاحظة أيضاً . رابعاً : حول الاختلاف المحتمل بين « الكتاب » و « الحكمة » يعتقد البعض بأنّ الكتاب إشارة إلى القرآن الكريم ، والحكمة إلى الأحاديث والسنّة النبويّة الشريفة ، أو أنّ « الكتاب » إشارة إلى مجموعة الأحكام والأوامر الإلهيّة و « الحكمة » إشارة إلى أسرار تلك الأحكام وفلسفتها ، لأنّ الإحاطة بتلك الأسرار تزيد من عزم الإنسان على تنفيذها ، كما أنّ هناك احتمالًا آخر وجيهاً أيضاً وهو إنّ ذكرهما معاً « الكتاب والحكمة » إشارة إلى مصدري المعرفة الرئيسيين أي « الوحي » و « العقل » . خامساً : لفظة « الامّيين » على حدّ قول الكثير من المفسّرين ، إشارة إلى أولئك الذين لا يعرفون القراءة والكتابة ويجهلون العلم والمعرفة على الإطلاق ، أي كأنّما ظلّوا كما ولدتهم امّهاتهم بالضبط لم يتغيّروا قيد أنملة أبداً .